سميح عاطف الزين

397

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

ولكل جندي من القوة الذاتية ما يدفعه إلى التضحية بأقصى درجاتها ومراتبها ، ولذلك كان بمقدور عبد اللّه بن مسعود أن يعلن على الملأ من قريش المهمة التي ندب إليها ، رغم قناعته بما في نفوس زعمائها من غطرسة جوفاء ، وصلافة رعناء ، ورغم معرفته بما في قلوبهم من قساوة قد تكون أشدّ قسوة من الحجارة . فهل تدرك قريش كل ذلك ؟ ! كلا إنها لا تعي شيئا من هذا القبيل على الأرجح ، لأن الجاهلية تغلغلت في حياتها فسيطرت على أفكارها ومعتقداتها وتصوراتها حتى أعمت البصائر وأصمت الآذان . . فما ذا فعل عبد اللّه بن مسعود غير أنه كان يتلو سورة الرحمن من القرآن المجيد التي تبيّن للناس وللجان آلاء الرحمن ، وتدعوهم للنظر بهذه الآلاء . ثم أليست سورة الرحمن ترشد إلى رحمة اللّه ، الرحمن الرحيم ، وقد وسعت رحمته كل شيء ؟ . . فأي خطأ ارتكبه قارىء القرآن إلّا أن يردّد قول اللّه العلي القدير حتى تشيع في أجواء مكة نفحات الإيمان ، وتسدل عليها أستار الرحمة ، وفي ذلك خير لهم أجمعين . . فهل جزاؤه يكون ذلك الأذى الذي أقدمت عليه قريش ؟ تبا للكفر ما أقساه ، وللضلال ما أشنعه ، وتعسا لهؤلاء القوم الذين ضاعوا بين عبادة الأوثان ، وسفاهة الأحلام ! . ولم تمرّ حادثة ابن مسعود بلا أثر . فقد رأى فيها القرشيون ذريعة جديدة للتملّق إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم واستمالته ، ومحاولة لإظهار الخطأ في مساواة الأحرار بالعبيد . . ولذلك جاءه نفر من رؤساء الكفر يعرضون عليه أن يطرد الفقراء من أتباعه أمثال : عبد اللّه بن مسعود ، وبلال الحبشي ، وصهيب الرومي ، وعمار بن ياسر ، وخباب بن الأرت ،